الشوكاني
248
فتح القدير
قوله ( ولما سقط في أيديهم ) أي ندموا وتحيروا بعد عود موسى من الميقات ، يقال للنادم المتحير قد سقط في يده . قال الأخفش : يقال سقط في يده وأسقط ، ومن قال سقط في أيديهم على البناء للفاعل ، فالمعنى عنده : سقط الندم وأصله أن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها ، لأن فاه قد وقع فيها . وقال الأزهري والزجاج والنحاس وغيرهم : معنى سقط في أيديهم : أي في قلوبهم وأنفسهم كما يقال : حصل في يده مكروه ، وإن كان محالا أن يكون في اليد تشبيها لما يحصل في القلب والنفس بما يحصل في اليد ، لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد ، قال الله تعالى - ذلك بما قدمت يداك - وأيضا الندم وإن حل القلب فأثره يظهر في البدن ، لأن النادم يعض يده ويضرب إحدى يديه على الأخرى ، قال الله تعالى - فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها - ومنه - ويوم يعض الظالم على يديه - أي من الندم ، وأيضا النادم يضع ذقنه في يده ( ورأوا أنهم قد ضلوا ) معطوف على سقط : أي تبينوا أنهم قد ضلوا باتخاذهم العجل وأنهم قد ابتلوا بمعصية الله سبحانه ( قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ) قرأ حمزة والكسائي بالفوقية في الفعلين جميعا ، وقرأ الباقون بالتحتية ، واللام للقسم ، وجوابه ( لنكونن من الخاسرين ) وفى هذا الكلام منهم ما يفيد الاستغاثة بالله والتضرع والابتهال في السؤال ، وسيأتي في سورة طه إن شاء الله ما يدل على أن هذا الكلام المحكى عنهم هنا وقع بعد رجوع موسى ، وإنما قدم هنا على رجوعه لقصد حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل في موضع واحد . قوله ( ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ) هذا بيان لما وقع من موسى بعد رجوعه ، وانتصاب غضبان وأسفا على الحال ، والأسف شديد الغضب . قيل هو منزلة وراء الغضب أشد منه ، وهو أسف وأسيف وأسفان وأسوف ، قال ابن جرير الطبري : أخبره الله قبل رجوعه بأنهم قد فتنوا ، فلذلك رجع وهو غضبان أسفا ( قال بئسما خلفتموني من بعدي ) هذا ذم من موسى لقومه : أي بئس العمل ما عملتموه من بعدي : أي من بعد غيبتي عنكم ، يقال خلفه بخير وخلفه بشر ، استنكر عليهم ما فعلوه وذمهم لكونهم قد شاهدوا من الآيات ما يوجب بعضه الانزجار والإيمان بالله وحده ، ولكن هذا شأن بني إسرائيل في تلون حالهم واضطراب أفعالهم ، ثم قال منكرا عليهم ( أعجلتم أمر ربكم ) والعجلة : التقدم بالشيء قبل وقته ، يقال عجلت الشئ سبقته وأعجلت الرجل حملته على العجلة ، والمعنى : أعجلتم عن انتظار أمر ربكم : أي ميعاده الذي وعدنيه ، وهو الأربعون ففعلتم ما فعلتم ، وقيل معناه : تعجلتم سخط ربكم ، وقيل معناه : أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم ( وألقى الألواح ) أي طرحها لما اعتراه من شدة الغضب والأسف حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل . قوله ( وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) أي أخذ برأس أخيه هارون أو بشعر رأسه حال كونه يجره إليه : فعل به ذلك لكونه لم ينكر على السامري ولا غيره ما رآه من عبادة بني إسرائيل للعجل فقال هارون معتذرا منه ( ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ) أي إني لم أطق تغيير ما فعلوه لهذين الأمرين استضعافهم لي ، ومقاربتهم لقتلي وإنما قال ابن أم مع كونه أخاه من أبيه وأمه ، لأنها كلمة لين وعطف ، ولأنها كانت كما قيل مؤمنة . وقال الزجاج : قيل كان هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه . قرئ " ابن أم " بفتح الميم تشبيها له بخمسة عشر ، فصار كقولك يا خمسة عشر أقبلوا . وقال الكسائي والفراء وأبو عبيد : إن الفتح على تقدير يا بن أما وقال البصريون هذا القول خطأ : لأن الألف خفيفة لا تحذف ، ولكن جعل الاسمين اسما واحدا كخمسة عشر ، واختاره الزجاج والنحاس : وأما من قرأ بكسر الميم فهو على تقدير ابن أمي ، ثم حذفت الياء وأبقيت الكسرة لتدل عليها ، وقال الأخفش وأبو حاتم : ابن أم بالكسر كما تقول يا غلام أقبل ، وهي لغة شاذة والقراءة بها بعيده ، وإنما